أسألة وأجوبة : ماهو العقل ؟





 
ماهو العقل؟

في جمله خبر طويل ومسائل كثيرة سأله عنها راهب يعرف بشمعون بن لاوي ابن يهودا من حواري عيسى عليه السلام فأجابه عن جميع ما سأل عنه على كثرته فآمن به وصدقه، وكتبنا منه موضع الحاجة إليه.
ومنه قال: أخبرني عن العقل ما هو وكيف هو وما يتشعب منه وما لا يتشعب وصف لي طوائفه كلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب فعن لم تعقل حارت، فالعقل عقال من الجهل، وإن الله خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل وقال له: أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك ولا أطوع منك، بك أبدء وبك أعيد، لك الثواب وعليك العقاب ، فتشعب من العقل الحلم ومن الحلم العلم ومن العلم الرشد
ومن الرشد العفاف ومن العفاف الصيانة ومن الصيانة الحياء ومن الحياء الرزانة ومن الرزانة المداومة على الخير ومن المداومة على الخير كراهية الشر ومن كراهية الشر طاعة الناصح, فهذه عشرة أصناف من أنواع الخير ولكل واحد من هذه العشرة
الأصناف عشرة أنواع.
فأما الحلم: فمنه ركوب الجميل وصحبة الأبرار ورفع من الضعة ورفع من الخساسة وتشهي الخير وتقرب صاحبه من معالي الدرجات والعفو والمهل والمعروف والصمت، فهذا ما يتشعب للعاقل بحلمه.
وأما العلم، فيتشعب منه الغنى وإن كان فقيرا والجود وإن كان بخيلا والمهابة وإن كان هينا والسلامة وإن كان سقيما والقرب وإن كان قصيا والحياء وإن كان صلفا
والرفعة وإن كان وضيعا والشرف وإن كان رذلا والحكمة والحظوة، فهذا ما يتشعب للعاقل بعلمه، فطوبى لمن عقل وعلم.
وأما الرشد فيتشعب منه السداد والهدى والبر والتقوى والمنالة و القصد والاقتصاد والصواب والكرم والمعرفة بدين الله، فهذا ما أصاب العاقل بالرشد فطوبى لمن أقام به على منهاج الطريق.
وأما العفاف، فيتشعب منه الرضا والاستكانة والحظ والراحة والتفقد
والخشوع والتذكر والتفكر والجود والسخاء، فهذا ما يتشعب للعاقل بعفافه رضى بالله وبقسمه.
وأما الصيانة، فيتشعب منها الصلاح والتواضع والورع والإنابة والفهم والأدب والاحسان والتحبب والخير واجتناء البشر، فهذا ما أصاب العاقل بالصيانة، فطوبى لمن أكرمه مولاه بالصيانة.
وأما الحياء: فيتشعب منه اللين والرأفة والمراقبة لله في السر والعلانية والسلامة واجتناب الشر والبشاشة والسماحة وللظفر وحسن الثناء على المرء في الناس، فهذا ما أصاب العاقل بالحياء، فطوبى لمن قبل نصيحة الله وخاف فضيحته.
وأما الرزانة، فيتشعب منها اللطف والحزم وأداء الأمانة وترك الخيانة
وصدق اللسان وتحصين الفرج واستصلاح المال والاستعداد للعدو والنهي عن المنكر وترك السفه، فهذا ما أصاب العاقل بالرزانة، فطوبى لمن توقر ولمن لم تكن له خفة
ولا جاهلية وعفا وصفح.
وأما المداومة على الخير، فيتشعب منه ترك الفواحش والبعد من الطيش والتحرج واليقين وحب النجاة وطاعة الرحمن وتعظيم البرهان واجتناب الشيطان والإجابة للعدل وقول الحق، فهذا ما أصاب العاقل بمداومة الخير، فطوبى لمن ذكر أمامه وذكر قيامه واعتبر بالفناء.
وأما كراهية الشر، فيتشعب منه الوقار والصبر والنصر والاستقامة على المنهاج والمداومة على الرشاد والايمان بالله والتوفر والاخلاص وترك ما لا يعنيه والمحافظة على ما ينفعه، فهذا ما أصاب العاقل بالكراهية للشر، فطوبى لمن أقام
بحق الله وتمسك بعرى سبيل الله.
وأما طاعة الناصح، فيتشعب منها الزيادة في العقل وكمال اللب ومحمدة العواقب والنجاة من اللوم والقبول والمودة والانشراح والانصاف والتقدم في الأمور والقوة على طاعة الله، فطوبى لمن سلم من مصارع الهوى ، فهذه الخصال كلها تتشعب من العقل.
المصدر:
كتاب : تحف العقول ص١٥
المؤلف : ابن شعبة الحراني